عبد الوهاب الشعراني

27

الطبقات الكبرى ( لواقح الأنوار القدسية في مناقب العلماء والصوفية )

الأعمال دون اللّه عزّ وجل فإن المنقول عن الشيخ رضي الله عنه الزهد والعبادات والتقوى كما درج عليه السلف الصالح رضي الله عنهم وكذلك عن الشيخ محيي الدين بن العربي رضي الله عنه وأضرابه . وما بلغنا قط عن أحد من القوم أنه نهى أحدا عن الصلاة والزكاة والحج والصوم أبدا ولا تعرض لمعارضة شيء من الشرائع وكيف يترك الولي ما كان سببا لوصوله إلى حضرة ربه إنما يحث الناس على الإكثار من أسباب الوصول فما بقي وجه الإنكار إلا على مواجيدهم وأفهامهم ، وتلك أمور لا تعارض شيئا من صريح السنة والأمر في ذلك سهل فمن شاء فليصدقهم ويقتدى بهم كمقلدي المذاهب ومن شاء فليسكت ولا ينكر لأنهم مجتهدون في الطريق والمجتهد لا يقدح إنكاره على مجتهد آخر . ونقل القزويني في كتابه سراج العقول عن إمام الحرمين أنه كان يقول حين يسأل عن كلام غلاة الصوفية : لو قيل لنا فصلوا ما يقتضي التكفير من كلامهم مما لا يقتضيه لقلنا هذا طمع في غير مطمع فإن كلامهم بعيد المدرك وعر المسلك يغترف من تيار بحر التوحيد ، ومن لم يحط علما بنهايات الحقائق لم يحصل من دلائل التكفير على وثائق كما أنشد بعضهم في هذا المعنى : تركنا البحار الزاخرات وراءنا * فمن أين يدري الناس أين توجهنا وسئل سيدنا ومولانا شيخ الإسلام تقي الدين السبكي رحمه اللّه تعالى عن حكم تكفير غلاة المبتدعة وأهل الأهواء والمتفوهين بالكلام على الذات المقدس فقال رضي الله عنه : اعلم أيها السائل إن كل من خاف من اللّه عزّ وجل استعظم القول بالتكفير لمن يقول لا إله إلا اللّه محمد رسول اللّه إذ التكفير أمر هائل عظيم الخطر لأن من كفر شخصا بعينه فكأنه أخبر أن عاقبته في الآخرة الخلود في النار أبد الآبدين وأنه في الدنيا مباح الدم والمال لا يمكن من نكاح مسلمة ولا يجري عليه أحكام المسلمين لا في حياته ولا بعد مماته . والخطأ في ترك ألف كافر أهون من الخطأ في سفك محجمة من دم امرئ مسلم وفي الحديث « لأن يخطئ الإمام في العفو أحب إلي من أن يخطئ في العقوبة » ثم إن تلك المسائل التي يفتى فيها بتكفير هؤلاء القوم في غاية الدقة والغموض لكثرة شبهها واختلاف قرائنها وتفاوت دواعيها . والاستقصاء في معرفة الخطأ من سائر صنوف وجوهه والاطلاع على حقائق التأويل وشرائطه في الأماكن ومعرفة الألفاظ المحتملة للتأويل وغير المحتملة وذلك